سعيد حوي

463

الأساس في التفسير

إليها . فكأن معنى قوله تعالى في هذا المقام : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى : تزودوا ، واتقوا الاستطعام ، وإبرام الناس ، والتثقيل عليهم . وتزودوا للمعاد ، باتقاء المحظورات . فإن خير زاد الآخرة اتقاؤها . قال مقاتل بن حيان : لما نزلت هذه الآية : وَتَزَوَّدُوا . قام رجل من فقراء المسلمين فقال : يا رسول الله . ما نجد ما نتزوده . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تزود ما تكف به وجهك عن الناس . وخير ما تزودتم التقوى » . رواه ابن أبي حاتم . وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : واتقوا عقابي ونكالي ، وعذابي لمن خالفني ، ولم يأتمر بأمري يا ذوي العقول والأفهام . فهم من النص أن قضية اللب الذي هو العقل ، تقوى الله . ومن لم يتقه فكأنه لا لب له . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي : ليس عليكم إثم في أن تبتغوا في مواسم الحج عطاء وتفضلا . وهو النفع والربح بالتجارة والكراء ، روى البخاري عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية . فتأثموا أن يتجروا في الموسم . فنزلت : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ . وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا نكرى . فهل لنا من حج ؟ قال : أليس تطوفون بالبيت وتأتون المعرف ، وترمون الجمار ، وتحلقون رءوسكم ؟ قال : قلنا بلى . فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني ، فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الآية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ . وأخرج ابن جرير عن أبي صالح مولى عمر . قال : قلت يا أمير المؤمنين : كنتم تتجرون في الحج ؟ . قال : وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟ ! ! . . وقال النسفي من أئمة الحنفية عند هذه الآية : ونزل في قوم زعموا أن لا حج لحمال ، وتاجر . وقالوا : هؤلاء ، الداج وليسوا بالحاج لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ . . . . لكن قال الحنفية في كتبهم : ( من نوى الحج والتجارة لا ثواب له إن كانت نية التجارة غالبة أو مساوية ) . والظاهر أنه لا ثواب كاملا . وإلا فلا يقول قائل : إن من تاجر ولم يشارك في أفعال الحج ، كمن تاجر وشارك في أفعاله . وهذا من باب الحض على تغليب نية الآخرة على عمل الدنيا . فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ : دل قوله تعالى : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ على وجوب الوقوف في عرفات . والإفاضة من عرفات